إقامة العدالة الانتقالية في السودان ما بعد الثورة

د. سامي عبد الحليم سعيد


مقدمة:
لقد شهد السودان منذ بدايات العام 2018 العديد من التحولات السياسية و الاجتماعية و الامنية، و في سياق تلك التحولات،
شهدت العلاقة بين المواطنين و السلطات الحاكمة، تدهوراً كبيرا حيث تواصل الغضب الشعبي، و تزايدت مظاهر عدم التوافق،
الى ان تفاقمت الاوضاع بعد ان اعلنت قوى سياسية و نقابية و منظمات مجتمع مدني تنظيم عصيان مدني و اضراب سياسي من
خلال مقاومة سلمية، ادت الى اسقاط النظام السياسي القمعي في الحادي عشر من ابريل2019. 
كانت ابرز الشعارات التي تنادى بها الثوار، و طالبوا بتحقيقها، كان شعار (حرية – سلام – و عدالة)، و في مضمار العدالة
سادت مناقشات عديدة حول محاكمة الدكتاتورية، و الفساد، و الارهاب، و انتهاكات حقوق الانسان و غير ذلك، و استجابة لذلك
وجد الحديث عن العدالة الانتقالية مساحة مقدرة، و مناقشات كبيرة، بما في ذلك تشريح التجارب الافريقية و العربية المشابهة
للحالة السودانية.
هذه الورقة تحاول ان تتجنب تكرار ما قيل، بمحاولة تطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية على الحالة السودانية، بتسليط الضؤ على
الموضوعات السودانية، و الظروف القانونية و المؤسسية، مع محاولة الاستهداء بالتجارب المشابهة
.
اولا: لماذا العدالة الانتقالية في السودان

من الواضح بحسب الوثائق الدولية المعتبرة، بما فيها وثائق الامم المتحدة الخاصة بالحق في الحصول على العدالة، قد شجعت
على اجراء اصلاحات تشريعية ومؤسسية في الدول التي تعيش حالة الانتقال السياسي – من الديكتاتورية الى الديمقراطية – كما
وضعت مبادئ مهمة للعدالة و دورها في بناء السلام، و من بين ذلك ايضاً شجعت تعزيز دور الوسائل و الاليات و المناهج
المحلية في اقامة العدالة، بحيث يصح القول، ان العدالة الانتقالية قد تتأسس على عدالة رسمية و غير رسمية، او قضائية و غير
قضائية. 
للاجابة على سؤال: لماذا العدالة الانتقالية في السودان، نحاول فيما يلي أن نضع بعض المبادئ المتصلة بالسياق السوداني:
ا. الحق في الحصول على العدالة
من الطبيعي ان تنهض الشعوب ضد الظلم و العنف و الفساد، وأن تقوم الثورات على الدكتاتورية و انتهاكات حقوق الانسان، و
بالتالي كان من المتصور أن يتواصل الفعل الشعبي والمؤسسي بغرض إنهاء عصر الدكتاتورية في السودان، بعد أن تمكنت من
حيواتهم، و حرياتهم، و مواردهم. و من الثابت ان كل الشعوب المتحضرة، و بعد ان تبدأ في تلمس طريقها نحو الكرامة
الانسانية و الديمقراطية، تضع لذاتها نظاماً للعدالة لمعالجة الانتهاكات التي ارتكبتها الدكتاتورية تجاوزا للقانون، و إنحرافاً
بالسلطة العامة، وفساداً في توظيف مقدرات الدولة لتمكين النظام الدكتاتوري، و مؤسساته، و شخوصه الطبيعية. تستهدف الدول
في حالة الانتقال من تلك العدالة تعزيز السلام الاجتماعي، بالاقتصاص من المجرمين الذين انتهكوا قوانين البلاد و القيم
الانسانية و الاعراف المرعية، و من خلال اتباع نهج العدالة على الانتهاكات التي ارتكبتها الدكتاتورية، يشعر المواطنون بان
في ذلك اقرار بالحق في العدالة، و إقرار بوقوع انتهاكات جسيمة، و بالتالي فيه إدانه للجرائم التي ارتكبت و فيه ايضاً رد اعتبار
للضحايا و المظلومين من خلال جبر الضرر، و تكمن أهمية العدالة ضد انتهاكات حقوق الانسان، في انها حق قبل كل شئ، و
له أثره الاجتماعي بناء السلام و التعايش الاجتماعي.
يجب على العدالة في سياق الانتقال السياسي من الدكتاتورية الى الديمقراطية، ان تستوعب الظروف السياسية و الامنية، و
تستجيب لاهداف بناء السلام و العدالة، كمتلازمتين يستفيد كل واحد منهما من الآخر، فتكون العدالة ضرورة لا غني عنها لبناء
السلام، و بغياب السلام يتعثر تطبيق العدالة. و مثل تلك العدالة يطلق عليها في بعض صورها “العدالة الانتقالية”.
في الحالة السودانية، و بموجب تقارير رسمية حكومية و دولية، ظلت هناك انتهاكات جسيمة ترتكب، بصورة مستمرة، على
صعيد جبهة حقوق الانسان، و من بين تلك الانتهاكات ما ظلت ترصده بصورة دورية تقارير مكتب المفوض السامي لحقوق
الانسان التابع للامم المتحدة بخصوص اوضاع حقوق الانسان في السودان في كل عام، و كذلك ما ظلت تنشره احياناً المؤسسات
الحكومية بصيغ و طرق متباينة. و بالتالي صارت انتهاكات متفق على حدوثها.

و هناك ملفات الفساد التي لا تحصى و لا تعد، و التي صرحت بها مؤسسات الحكومة وقتها في مرات عديدة، و تناولتها وسائل
الاعلام المحلية بكثافة، و نشرتها تقارير دولية عديدة، و بالتالي صارت قضايا الفساد من الموضوعات المعلومة بالضرورة لدى
المؤسسات العامة و الغير حكومية. 
و من ضمن ذلك، نرى قلق كبير لدى المواطنين حول مصير موارد السودان التي تم تهريبها خارج السودان، في شكل اموال
نقدية مودعة في بنوك خارجية باسماء اشخاص ينتمون للمؤسسات الحاكمة. او مؤسسات قومية تم بيعها الى اشخاص او شركات
قطاع خاص دون مراعاة المعايير المالية و المحاسبية و لا لوائح التصرف في الاموال العامة، بمعني ان التصرف فيها تم
بموجب اعتبارات شخصية و دون مراعاة مقتضيات القانون و الاجراءات المخصصة للتصرف في المال العامة.
و اذا كانت تلك وقائع شبه متفق علي حدوثها، و ربما صدر بخصوصها اقرارات من مؤسسات حكومية رسمية تؤكد تلك
التجاوزات. فان النظام العدلي الذي ظل سائدأ ابان الدكتاتورية، لم يعد بمستطاعه تطبيق العدالة في مواجهة تلك الانتهاكات
بصورتها المنصفة و الصحيحة، و ذلك لكون ان القونين السارية، قد تمت صياغتها لتخدم مصالح الطبقة المتنفذة و تحميها، و
لان العاملون في مؤسسات انفاذ العدالة، بما في ذلك القضاة، قد تم اختيارهم وفق معايير معينة تتلاءم مع تتطلعات الطبقة
الحاكمة المسيطرة على الحكم في البلاد. و لطالما تم توصيف تلك المعايير بـ (التمكين)، و في سبيلها تم طرد عدد كبير من
قدامي الموظفين و الاكفاء، تحت سياسة (الصالح العام)، بسبب افتقارهم لتلك المعايير التي تطلبها الطبقة القابضة على الحكم في
البلاد.
ب.العدالة و التحول الديمقراطي
لقد بات من الواضح الآن، بأن الفساد يشكل إحدى العقبات الرئيسة أمام تحقيق السلام، والعدالة، والتنمية المستدامة،
والديمقراطية، وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك سودان ما بعد الدكتاتورية.
أن تحقيق متطلبات النمو و الاستقرار و الرفاهية، يكمن في اتباع نهج متكامل للتنمية، نهج يستهدف النمو النوعي، بما في ذلك
البيئة، والتعليم، والصحة والحوكمة. ويعتبر الحكم الرشيد، بطبيعته الشاملة، العامل المشترك، و الطريق الذي من خلاله تمر كل
تلك العناصر لتحقيق التنمية الشاملة. وهو يتطلب، من بين جملة أمور أخرى، وجود الثقة بين الدولة والشعب، والنزاهة،
والشفافية، وسيادة القانون، والضوابط والتوازنات، والتنسيق ما بين الوكالات، وزيادة مستوى مشاركة أصحاب المصلحة
الرئيسيين. 
في ظل الديكتاتورية يكون النظام العدلي غير قادر (بسبب طبيعة القوانين و الحصانات من المساءلة) او غير راغب في تطبيق
العدالة ( بسبب تسييس الاجهزة العدلية و الفساد). و قد لا يتمكن النظام العدلي الوطني في فترة ما بعد الدكتاتورية من انجاز
العدالة المطلوبة، بسبب ان نظام العدالة مازال خاضعاً لقوانين و مؤسسات النظام الدكتاتوري، و لم تسنح الفرصة الكافية لاعادة
تنظيم و هيكلة النظام العدلي. فمؤسسات البوليس و النيابة العامة و القضاء، و القوانين المنظمة لها، في ظل الثلاثين عاماً
الاخيرة من عمر السودان، شهدت تجريفاً ممنهجاً تحت سياسة التمكين سيئة السمعة. 
العدالة في فترات التحول الديمقراطي او فترات الانتقال، دائما ما تعتمد على الارادة السياسية لدى المجموعة الجديدة التي
تسلمت مقاليد الحكم في الفترة الانتقالية. تنعكس الارادة و الرغبة السياسية في اجراء اصلاحات تشريعية و مؤسسية و في تكوين
لجان التحقيق، و تخصيص الموارد لمؤسسات العدالة، كلها امور سياسية مهمة في سياق تأسيس العدالة.

(ثانياً: تدابير لتصميم عدالة تسهم في بناء السلام و الديمقراطية (الحلول العدلية:

ا.العدالة في الدستور الانتقالي: 
من المهم ان يتضمن الدستور الغايات المطلوبة من العدالة و كيفية انجازها. و تلك الغايات تستخلص من الاهداف الجديدة التي
تسعى اليها الدولة بصورتها الجديدة. فالدستور و القوانين و المؤسسات السائدة اليوم، تم انشاؤها بما يحقق اهداف الدولة
الدكتاتورية و غاياتها. 
و بهدف تحقيق السلام الاجتماعي و الاستقرار و محاربة التطرف و التمييز، كلها بوصفها مدخلات ضرورية في بناء التنمية و
الاستقرارا السياسي و التعايش السلمي، يعمل الدستور الانتقالي للثورة، على المساعدة في تعجيل التحول الديمقراطي في
المجتمع، لذا من المتصور ان يتضمن ذلك الدستور أحكام أكثر وضوحاً، في عكس اهداف الدولة في المرحلة الجديدة. فاذا كانت
الاهداف الجديدة للدولة تؤسس للعدالة الاجتماعية و نبذ التمييز و التطرف، و بناء السلام الاجتماعي و التنمية (تحقيقاً لشعار
حرية سلام و عدالة) فهذا يتطلب بالضرورة ان ينص الدستور على سبيل المثال على ان: “يحظر انشاء اي كيان أو نهج يتبنى
العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، تحت أي مسمى كان،

ولايجوز لتلك المجموعة او الحزب أن يكون ضمن التعددية السياسية في السودان، وينظم ذلك بقانون”.. هذه نموذج بديهي، و
مباشر لتحقيق غايات الدولة كما اشرنا اليها هنا. 
بالتالي من الممكن تفريغ أهداف العدالة في سياق التحول الديمقراطي، في نصوص دستورية تعمل على اعادة صياغة المفاهيم و
المبادئ التي ستعمل في ظلها المؤسسات العدلية في الدولة.
ب.تكوين المؤسسات: 
دائما ما تتكون المؤسسات و تجاز القوانين على ضوء المؤشرات التي يضعها الدستور للحاكمين و المشرعين الوطنيين. و في
سياق التحول من حالة الحرب و النزاعات و التمزق، الى السلام و احترام حقوق الانسان و التعايش السلمي، سيكون من
الضروري بناء مؤسسات تعمل على تحقيق تلك الحالة. 
و بموجب نصوص الدستور الانتقالي تتكون هيئات و مفوضيات تعمل علي اصلاح مؤسسات الدولة، و من بينها المؤسسات
العدلية، و ينظم عمل تلك المؤسسات قوانين تعمل بموجبها. من الضروري في هذه العجالة الاشارة الي بعض التدابير المهمة
كاجراءات انتقالية:
–إحالة كبارمسئولي النظام الدكتاتوري المشتبه في اشتراكهم في جرائم خطيرة خلال الحكم الدكتاتوري السابق، الى لجان تحقيق
جنائية، و يتم إستبعادهم مؤقتاً عن وظائفهم التي يشغلونها في الدولة الى حين انتهاء التحقيق بتبرأتهم، ويحق لأي شخص خاضع
للتحقيق الدفاع عن نفسه و استئناف القرارات الصادرة ضده.
– تأسيس ثقافة المساواة و الانصاف و إحترام حقوق الانسان، و أزالة ألافكار و الايدلوجيات التي خلفتها الثقافة التي عمد على
تاسيسها و نشرها النظام الدكتاتوري في المجتمع و مؤسساته. 
– و قبل كل ذلك، من المهم اجراء اصلاحات تشريعية و مؤسسية، تجعل من امر تطبيق العدالة بصورة نزيهة، امراً ممكنا و
قابلا للتحقيق.

ثالثا: تجارب و رؤى قانونية لتقديم حلول خاصة بوضعية العدالة في مرحلة ما بعد الثورة.

من الموضوعات الدستورية المهمة، تحديد معايير تستهدي بها تشريعات و مؤسسات العدالة. من المهم الوضع في الاعتبار
الظروف و الحالة التي تعيشها الاجهزة العدلية و الوضع الامني و التوجهات السياسية، بوصفها محددات يجب تجاوزها حتى يتم
تطبيق العدالة بصورة نزيهة في فترة ما بعد انتهاء الحكم الدكتاتوري. 
عند تطبيق العدالة في مرحلة ما بعد الدكتاتورية، و في زمن بناء الديمقراطية و بناء مؤسسات سيادة حكم القانون، من المهم جداً
تطبيق مبادئ حقوق الانسان و معايير العدالة المعتمدة عالميا، حتى لا تكون العدالة عبارة عن تصفية خصوم سياسيين، و حتى
لا تكون عدالة لاظهار نصر الحاكمين الجدد على غرمائهم. يجب ان تتصف العدالة بالنزاهة و الاستقلالية، و تؤسس لسيادة حكم
القانون من خلال تعزيز مبدأ المساواة امام القانون، و استقلال القضاء.
هناك بعض المبادئ او الاسس التي يجب وضعها في الاعتبار حينما نؤسس لنظام العدالة في مواجهة الذين انتهكوا حقوق
الانسان في السودان:
– ان الثورة التي لا تقدم العدالة للمواطنين الذي عانوا من التمييز و الاقصاء و الظلم و القهر و الانتهاكات، تعد بالنتيجة امتداد
لعهد الظلم و التمييز.
– العدالة تخلق اجواء المساواة و تعطي دافعية للدفاع عنه العهد الجديد، و توسع من نطاق المساهمة في البناء و التعمير، في
الدفاع عن الوطن، و تعمل على منع تكرار ماساة الدكتاتورية.
– العدالة تساعد في بناء السلام الاجتماعي من خلال الاقتصاص للمظلومين و في ردع الظالمين. و هذه العدالة هي رادع ايضا
للحاكمين الجدد اذ تساعد في تنبيهم من عواقب ارتكاب انتهاكات حقوق الانسان.
هنا ندرس حالات و نحاول نستجلي منها الوضع القانوني باعطاء امثلة و تطبيقات متناسبة مع الحالة الوطنية. و نركز هنا على
بعض المحاور المهمة، كما يلي:
ا.الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت في حق المتظاهرين:
لقد قام دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 بالنص في المادة (40) – (1) على: أن يكفل الحق في التجمع السلمي ، و أن لكل
فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرين، بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية
أو الانضمام إليها حماية لمصالحه.

و السودان بوصفه عضو في الامم المتحدة، عليها التزام بموجب المادة 20 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي تنص على
حرية التنظيم و التجمع السلمي. و بوصفه مصادق على العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية فهو ملزم باحكام المادتين 21 و
22 الخاصتين بالحق في التنظيم و التجمع السلمي.
من المهم هنا، مراجعة بعض التجارب الاقليمية، و التي تمت فيها تطبيق العدالة في مواجهة من انتهكوا حق المواطنين في
التجمع السلمي و الحق في التنظيم في السودان. و فيما يلي نستعرض التجارب التالية:

تجربة كينيا:

في ديسمبر 2007 خاضت كينيا انتخابات عامة لانتخاب رئيس الجمهورية (ريالا اودينغا – مواي كيباكي)، و باعلان
النتائج بفوز كيباكي خرجت مجموعة المواطنين في مظاهرات رافضة للنتائج متهمة الرئيس المنتخب (كيباكي)
بتزوير نتائج الانتخابات، و نتج عن تلك الاحتجاجات و الاعتراضات احداث قتل بشكل واسع، و لما لم يكن القضاء
الوطني الكيني مستعداً في ظل الاحتقانات الاثنية و السياسية و العنف المتصاعد، و الاستقطابات المتعددة الاطراف،
كان من الارجح ان القضاء الوطني سيفشل في التعاطي مع تلك الانتهاكات، فتم احالة القضية للمحكمة الجنائية
الدولية، التي قامت باتهام ستة شخصيات سياسية مهمة في الحكومة شملت عدد من الوزراء: نائب رئيس الوزراء و
وزير الصناعة و وزير التربية و مدير الشرطة و مدير الاذاعة، و الامين العام لمجلس الوزراء. و كان التلفزيون
القومي يبث المحاكمات من لاهاي بشكل يومي حتى يشاهدها الجمهور. 
برغم ان كينيا تتمتع بقضاء يكاد يكون من الاجهزة القضائية المتميزة في افريقيا، و كذلك انها تتمتع دستور ديمقراطي
تنتقل فيه السلطة عبر الانتخابات و بصورة سلمية. إلا ان الظروف الامنية و التهديدات و الشكوك، و انقسام المجتمع
استدعى ان يتم احالة هذه القضية الى المحكمة الجنائية الدولية، لضمان تحقيق العدالة بصورة نزيهة و بعيدا من اي
تشكيك.

تجربة مصر: 

وبعد انتفاضة 2011 التي أنهت حكم مبارك الذي دام ثلاثة عقود تلقت السلطات بلاغات ضد الرئيس السابق وابنيه
علاء وجمال وزوجاتهم وعشرات المسؤولين السابقين ورجال أعمال متضمنة ادعاءات فساد وصدرت أحكام أولية
ضد عدد كبير منهم بينهم رئيسا الوزراء السابقان أحمد نظيف وعاطف عبيد لكن أحكاما نهائية صدرت ببراءة
معظمهم. وأدين مبارك وابناه في قضية فساد بحكم نهائي وبات وعوقبوا بالسجن لمدة ثلاث سنوات فقط.
ان الدولة المصرية بعد انتهاء دكتاتورية حسني مبارك، ظلت محتفظة بالدولة التي اطلق عليها الاعلام بـ (الدولة
العميقة) و التي ظلت محكومة بالقوانين و الكفاءات المعيوبة، و ثقافة الفساد و المحسوبية، و من بين مؤسسات الدولة
العميقة التي مازالت محكومة بتلك الاليات، مؤسسات العدالة، لذا لم يجد المظلومين و ضحايا الدكتاتورية في تلك
المؤسسات و القوانين، العدالة و الانصاف الذي كانوا ينتظرونه.
ا.محاكمة جرائم الارهاب:
لقد ظلت الدولة في ظل غياب سيادة حكم القانون، و عدم الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بحقوق الانسان، تشترك في
العديد من الانشطة التي تعد بموجب القانون الدولي تهديد للسلام و الامن الدوليين. وفي اطار تلك الانتهاكات و بسببها
تعرضت الدولة السودانية و مواطنيها لعقوبات دولية قاسية جداً أثرت على نمو و تطور السودان، كما أثرت بشكل
مباشر على علاقاته الدولية. 
لقد تم ايواء و استضافة مجموعات ارهابية في السودان بواسطة شخصيات رسمية و بتسهيل و دعم من أجهزة
حكومية، و في تلك البيئة جاءت محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك فى العاصمة الأثيوبية أديس أبابا فى
26 يونيو عام 1995 أثناء مشاركتة فى اجتماعات القمة الأفريقية، و التي تم فيها اتهام مباشر لشخصيات رسمية و
أجهزة حكومية في السودان.

تجربة محكمة اغتيال الحريري

تحكي لنا التجربة الحديثة، في محاولة إغتيال الرؤساء بواسطة جماعات ارهابية، ان مجلس الامن و بطلب من الدولة

اللبنانية قد قام تكوين محكمة خاصة للتحقيق و المحاكمة في جريمة مقتل رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري. و
كانت في 14 فبراير 2005 قامت مجموعة بتفجير عربة رئيس الوزراء و الموكب المرافق له في بيروت مما ادى
الى وفاة السيد وفيق الحريري و 22 من مرافقية. 
أصدر مجلس الأمن الدولي قراره بالرقم 1664 لعام 2006، طلب فيه من الأمين العام للأمم المتحدة التفاوض مع
الحكومة اللبنانية بشأن إنشاء محكمة جنائية دولية، استناداً إلى أعلى معايير العدالة الجنائية المعترف بها دولياً.
تمت احالة القضية الي محكمة دولية خاصة ، اطلق عليها اسم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، و مقرها لآهاي ، و
اختصت بشكل حصري بالنظر و الفصل في قضية اغتيال الحريري. بدأت المحكمة الخاصة مداولاتها فى 2009
مستندة على القانون الجنائي اللبناني، وباتت بذلك أول محكمة جنائية دولية تسمح بتنظيم محاكمة خاصة بموجب
القوانين الوطنية ، وفى غياب المتهمين، بعد تعيين محامين يمثلون المتهمين الغائبين.
هذه التجربة اللبنانية استندت على تطبيق القانون الجنائي اللبناني بواسطة قضاة اجانب يتمتعون بكفاءة عدلية كبيرة، و
قد كانت الحكمة ان لا تسهم المحاكمات داخل لبنان في توسيع دائرة العنف، و كذلك الخوف من التأثيرات الطائفية في
مسار العدالة.
ب.محاكمة الفساد:
كما اسلفنا بالقول، فان الفساد ظل من الموضوعات التي لم تنكرها مؤسسات النظام السياسي المخلوع، بعد ان طفحت
فضائح الفساد في وسائل الاعلام الاجتماعي. 
ظلت القوانين السارية، و مؤسسات العدالة تعمل على حماية المال العام من التعدي عليه. الا ان تلك القوانين و تلك
المؤسسات لم تفلح في كبح جماح الفساد، بعد ان تورطت فيه شخصيات كبيرة في اعلى مستويات الحكم. من بين تلك
القوانين ، قانون الاجراءات المحاسبية و المالية، و قانون الثراء الحرام و المشبوه.
من المهم معرفة ان هذا القانون فيه وثيقة اسمها براءة الزمة، و بموجبها يقوم المسئول بالاقرار بكامل ممتلكاته و
ثروته في اليوم الذي تولي المسئولية العامة. من الواضح جداً ان تلك المنظومة القانونية تحتاج الى اصلاحات جذرية.
في إطار ملاحقة المفسدين في ظل دولة سيادة حكم القانون، يجب ان ان يكون لسلطات العدالة القدرة للتحقيق مع اي
شخص بدون اي حصانات، و بالتالي من المتوقع ان تشمل الملاحقات الاشخاص الذين يشتبه في ارتكابهم جرائم
فساد، و قد تشمل ولايتها من حيث الاشخاص:
– الموظفيين الرسميين في مستويات الدولة المختلفة 
– السياسيين، بما في ذلك اعضاء البرلمان و قيادات الاحزاب السياسية
– المواطنين السودانيين، بما في ذلك رجال الاعمال
– الاجانب، بما في ذلك المستثمرون 
و تشمل من حيث النطاق الزمني: كل الجرائم الماسة بالوظيفة العامة و المال العام و التصرفات الماسة بالاقتصاد
الوطني و منذ قدوم الدكتاتورية الى الحكم.
و من حيث الموضوع، فان تلك العدالة يجب ان تشمل الاموال العامة ، و الامتيازات و الاعفاءات الحكومية، المملوكة
لحكومة جمهورية السودان، سواء كانت موجودة داخل او خارج السودان وقت التصرف فيها. و تشمل جرائم الفساد
التي تلاحقها العدالة، كافة الافعال الايجابية او السلبية، التي تعمل على اهدار المال العام بسؤ نية، سواء كان الفعل
بالاشتراك و المساعدة في ارتكابه، او التحريض على ارتكابه.

رابعاً: التعاون الدولي في موضوعات الفساد:

لم يصادق السودان على الصكوك القانونية الدولية الرئيسية لمكافحة الفساد، وإطاره القانوني الوطني غير مكتمل. وقع
السودان على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بتاريخ ١٤ يناير ٢٠٠٥ و و اتفاقية الاتحاد الأفريقي لمنع و محاربة
الفساد، ولكن لم يصادق عليها. 
وفي حين أن القانون الجنائي لسنة ١٩٩١ م و قانون عام ١٩٨٩ لمكافحة الثراء الحرام، من القوانين الوطنية التي
تجرم بنصوص واضحة التعدي على المال العام، الا ان المؤسسات العدلية و العاملين فيها، لم تعد لديها الارادة و
الرغبة لتنقيذ تلك القوانين. 
من المهم المصادقة على اتفاقية الامم المتحدة لمحاربة الفساد2005 ، تساعد الاتفاقية الدول الاعضاء في الانتفاع من
اشكال التعاون الدولي لتعقب و محاربة الفساد على المستوى العالمي. و في ظل ضعف امكانيات الدول النامية، فان

تلك الاتفاقية تقدم المساعدات و المهارات الفنية و تعمل على مساعدة مؤسسات الدولة على مكافحة الفساد، كما انها
تساعد بشكل فعال في استرجاع الاموال الوطنية المنهوبة. 
الحكومات الدكتاتورية لم توقع على اتفاقية مكافحة الفساد، حتى تكون دولة مستقطبة للمفسدين و المطلوبين جنائياً في
العالم ليحضروا في السودان و يكونوا بعيدا عن المساءلة الجنائية، و تستفيد الطبقة الفاسدة من ابتزاز تلك المجموعات
الفاسدة الهاربة من بلدانهم.
ا.طلبات المساعدة القضائية و الانتربول الدولي:
متخصص في موضوعات تقديم المساعدات في ملاحقة و تسليم المتهمين في قضايا الفساد، و تساعد في تعقب
الفارين و القبض عليهم، و كذا المساعدة في التحقيقات و جمع الادلة من الدول الاعضاء.
و هناك العديد من المؤسسات التنسيقية التي انشئت بموجب اتفاقيات و معاهدات، فعلى سبيل المثال انظر كيف تعاطت
المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي مع قضايا فساد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك : أعلنت المحكمة العامة
للاتحاد الأوروبي تأييدها لقرار مجلس الاتحاد الأوروبي باستمرار تجميد أموال أسرة الرئيس المصري الأسبق حسني
مبارك. وكان مجلس الاتحاد اتخذ القرار في آذار/مارس 2011 وتم تمديد القرار خلال السنوات التالية. وأشارت
المحكمة في بيان إلى أنه “حتى بافتراض أن الوضع في مصر تطور بعد 2011 وبطريقة مخالفة للديموقراطية فإن
هذا لا يؤثر على سلطة مجلس الاتحاد الأوروبي وقدرته على تجديد قراره الأصلي” بتجميد تلك الأموال. وجمدت
سويسرا أموالا وأصولا مملوكة لأسرة مبارك وبعض المقربين قيمتها 570 مليون فرنك سويسري (حوالي 603
ملايين دولار) منذ عام 2011.
ب.المحاكمات الدولية: 
اذا ظل القضاء الوطني غير قادر او غير راغب في انفاذ العدالة، فيكون الخيار الدولي هو دائم هو المتاح. و قد يكون الخيار
الدولي تكميلي. و يسقط خيار العدالة الدولية حين تقوم الدولة بالوفاء بمتطلبات العدالة متخذة نظامها العدلي الوطني و تقوم
بتطبيق العدالة باستقلالية تامة ووفقا للمعايير الدولية. و لعل تجربة محاكمات انتهاكات انتخابات كينيا، و محاكمة مقتل الرئيس
الحريري، كلها تقف كدلائل على امكانية اقامة العدالة الانتقالية في ظروف أكثر نزاهة و استقلالية و كفاءة. الا ان اللجوء الى
العدالة الانتقالية الدولية قد يتطلب مجهودات دبلوماسية، حيث ان تلك العدالة تحتاج الى اجازة قرارات دولية من المؤسسات
المعنية بالامن و السلم الدوليين، مثل مجلس الامن التابع للامم المتحدة. كما ان العدالة الانتقالية عبر المؤسسات الدولية، عالية
التكلفة.

خامساً: العدالة التصالحية:

كما سبق ان ذكرنا، مثلما يمكن تطبيق العدالة الانتقالية عبر مؤسسات قضائية وطنية، فانها كما رأينا في التجارب الدولية، من
الممكن تطبيق العدالة الانتقالية من خلال مؤسسات عدلية غير وطنية. و كما سبق الاشارة، قد لا تتخذ العدالة صورتها القضائية
الرسمية، مثلما قد تتخذ صوراً غير نمطية للعدالة، بما في ذلك استخدام الوسائل غيرالقضائية، و هذه الاخيرة قد تشمل توظيف
الاليات الشعبية و العادات و التقاليد، و المؤسسات الشعبية في تحقيق العدالة. وهو ما يسمّى بالعدالة التصالحية. فقد تمّ إستخدام
مفهوم الحقيقة والمصالحة على نطاق واسع في افريقيا وأمريكا اللاتينية، وتطور الى استراتيجية عالمية فعالة للتعامل مع جرائم
الحرب وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان. وتعتبر لجان الحقيقة والمصالحة أنّ مواجهة الماضي وكشف حسابه ضرورياً
للنجاح في الإنتقال من حالة الصراع والتوتر والإستياء إلى السلام والترابط. 
ومن المعلوم أن نهج العدالة التصالحية يشمل على الأقل أربعة عناصر هامة وهي: كشف الحقيقة ، العدالة ، الرحمة (العفو) ،
السلام. إذ أنّه من المعتقد أن الشفاء الحقيقي يتطلب ثلاث خطوات أساسية: تذكر الفظائع التي ارتكبت، ثم التوبة، و العفو. 
إذ أنّ التحقيق في جرائم الحرب ولجان تقصي الحقائق يمكن أن تساعد في عملية الذاكرة و كشف الحقيقة، وتساعد على إلمام
الجمهور بالمدى الذي عانت منه الضحايا. وتسعى لجنة الحقيقة والمصالحة الى مداواة العلاقات بين الجانبين المتخاصمين من
خلال كشف جميع الحقائق ذات الصلة ، تميز الحقيقة من الأكاذيب،إتاحة الإقرار والإعتراف بالجرم، أن تكون منبرا للعزاء
والحداد العام، ومناسبة للغفران والشفاء.
ا. أشكال وأنماط العدالة التصالحية:

قد تأخذ العدالة التصالحية عدة أشكال على الصعيد الوطني ، لا سيما ان التجارب الشعبية، و الميراث الشعبي ملئ
بتطبيق العدالة التصالحية على النزاعات الاهلية و الجرائم الشخصية و حالات الاعتداء على الممتلكات. فيما يلي
نحاول ان نرصد بعض انماط العدالة التصالحية الممكنة: 

مجالس الصلح:

العديد من النزاعات في المجتمعات الريفية و القبلية، تتعدى الاشخاص المباشرين ( الجاني و الضحية) و إنما تشمل أهل و
قبيلة الاطراف. إنتشرت في العديد من المجتمعات السودانية تجربة (مجالس الصلح)، كنمط من أنماط العدالة التصالحية ،
و يجد مجالس الصلح أساسها في المجتمعات القبيلة، و التي تحاول ان تتدارك أخطاء و انتهاكات الاشخاص من خلال
التصالح، و تعزيز الترابط و السلم الاجتماعيين. تتخذ الوساطة صورة اجتماع الضحية والمجرم، في مكان واحد، وجها
لوجه، و يحضر بجانب الضحية (او الضحايا) و الجاني (أو الجناة) أهاليهم و أقربائهم، و قد يتم دعوة زعماء من قبائل
أخرى او رجال دين مرموقين، وقد تشمل أطراف أكثر، مثل أفراد أسرة الضحية أو الجاني ، أصدقاء من المجتمع ،
والمدرسين ، والجيران ، أو المستشارين. 
تتم إجتماعات الصلح من خلال دعوة يدعو لها أحد الشخصيات الوقورة في المجتمع، فيلعب دور الميسر، و في تنظيم
الحوار، و استخدام مؤثرات إجتماعية، و يحفز القيم الدينية و المجتمعية لتساعد المجتمعين للحصول على حل للنزاع القائم
بين الطرفين. قد يشارك كبير العائلة او ممثلها بالحديث بالانابة عن اسرة الجاني او اسرة الضحية
.
التعويض: 

هذه ايضاً أحد انماط العدالة التصالحية، و التي أثبتت فعاليتها في العديد من التجارب المشابهة. إن التعويض مرتبط بدرجة
كبيرة بإجراءات مجالس الصلح، فهو غالباً ما بتم إبتداره داخل مجالس الصلح. في إجتماعات الصلح بين الضحية والجاني
، تتاح لاهل الجاني فرصة طرح مبادرة لتقديم التعويض لضحاياهم او لاسرهم. و بحسب التجارب السودانية في هذا
الصدد، قد يكون التعويض نقدى او غير نقدي، كان يكون في صورة عدد من الماشية او الاغنام. و قد يطلب من الجاني
القيام ببعض الأعمال لصالح الضحية ، أو لصالح إحدى الجمعيات الخيرية التي يختارها الضحية او أهله.
اذا كانت الجريمة تتعدى الاذي الجسدى الى السرقة او الاستيلاء على الممتلكات، فإن على مجلس الصلح ان يعالج هذه
المسألة بشكل شمولي.

الحقيقة و المصالحة: 

بحسب التجارب الدولية في إجراءات المصالحة، نجد انه تتاح الفرصة للضحايا أو ذويهم، ان يسردوا قصص معاناتهم، و
يعطوا للجناة فرصة مواجهة حقيقة ما قاموا به من فظائع و انتهاكات. و هذا الجانب لا يجد الاهتمام الكبير في مجالس
الصلح السودانية، برغم انها موجودة بصيغ مختلفة، حسب طبيعة كل حالة و كل مجموعة إجتماعية. كما تتاح الفرصة
للجاني ان يشرح ظروف ارتكابه للجريمة، و ما هي دوافعه في ذلك الوقت، وشرحا لكيفية وقوع الجريمة و في الغالب
يتضمن حديث الجاني او من يمثله اعتذارا و أسفاً. من المهم في التطبيقات السودانية اتاحة الفرصة لسرد القصص و كشف
الحقائق، لان في ذلك تسهيل لاعادة التعايش السلمي. 
حتى تنجح تجربة مجالس الصلح في السودان، في السياق التاريخي الراهن، في تحقيق العفو و تعزيز السلام الاجتماعي،
تحتاج ان يتم تدعيم هذه الآلية باضافة عدد الاصلاحات الهيكلية، و من بين ذلك بتقديم الدعم المادي والنفسي و الاجتماعي
للضحايا و كذلك تأهيل الجناة بالصورة التي تضمن بقائهم في المجتمع بصورة سلمية و فاعلة.
ب.أهداف العدالة التصالحية:
ويمكن إختصار أهداف العدالة التصالحية في الآتي:
– العدالة التصالحية معنية بشفاء الضحايا من الجروح، واستعادة المجرمين لحياتهم الطبيعية، والالتزام بالقانون
وإصلاح الأضرار التي لحقت بالعلاقات الاجتماعية. 
– وتسعى إلى إشراك جميع أصحاب المصلحة، وتوفير الفرص للضحايا للمشاركة بنحو مباشر في عملية كشف

الحقيقة. الضحايا والجناة والمجتمعات المحلية المتضررة هم جميعهم أصحاب المصلحة الرئيسية في العملية
التصالحية.
– العدالة التصالحية تهدف في المقام الأول إلى توفير إحتياجات الضحايا المادية و الاجتماعية والنفسية. 
– العدالة التصالحية هي عملية تطلع للمستقبل، وفي نفس الوقت إستجابة وقائية تسعى إلى فهم الجريمة في السياق
الاجتماعي الذي حدثت فيه. من دواعي التطلع للمستقبل دراسة الأسباب الجذرية للعنف والجريمة من أجل الحد منها
وكسر دورات تكرارها. 
– إن من مهام العدالة التصالحية، ان تنظر للعدالة بصورة متسقة مع أهداف بناء السلام في المرحلة الانتقالية، و من
ذلك إعادة تأهيل المجرمين وادماجهم في المجتمع المحلي من الجوانب الحيوية للعدالة التصالحية. إن عملية العدالة
بهذه الطريقة تقوي النسيج الإجتماعي وتشجع على التغييرات التي سوف تمنع حدوث أضرار مماثلة في المستقبل. 
– ينبغي أن تكون العدالة التصالحية متكاملة مع العدالة القانونية باعتبارها عملية مكملة لتحسين نوعية وفعالية وكفاءة
العدالة ككل.
تجارب الانتقال السياسي في البلدان النامية اعطتنا العديد من التجارب التي يمكن الاستفادة منها بصورة تتناسب مع
الحالة السودانية. و قد نجد ضمن تلك التجارب، ما قد ابتدع اساليب غير قضائية تساعد في تحقيق الرضاء الشعبي و
تعمل على رتق النسيج الاجتماعي و بناء الثقة بين مكونات الشعب و الاجهزة الحاكمة. هناك حالات كانت فيها
الجرائم كثيرة بشكل كبير جدا، بالقدر الذي يمكن ان نقول فيه، انها تفوق امكانات مؤسسات الدولة، و في ذلك قد يتم
الاستعانة بافكار جديدة يكون الهدف منها اقامة الاستقرار و الامن في المجتمع و ازالة الكراهية و العدائيات. 
و لاننا بصدد انشاء عدالة على اعقاب ثورة شعبية ضد الدكتاتورية، فاننا نستعين بتجربة تونس بعد الثورة، حيث تم
تكوين “هيئة الحقيقة والكرامة”، و التي انشئت لمعالجة الجرائم السياسية والاجتماعية أوالاقتصادية، وتقصي
انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت، في الفترة من 1 يوليو/تموز 1955 حتى ديسمبر/كانون الأول 2013 . تلقت
الهيئة ما يزيد عن 62 ألف شكوى تتعلق بمجموعة كبيرة من انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك حالات الاحتجاز
التعسفي والتعذيب والمحاكمات الجائرة والعنف الجنسي والتمييز الديني والعرقي. وعقدت الهيئة أولى جلسات
الاستماع العلنية في 17 نوفمبر/تشرين الثاني. 
هذه الهيئة تقوم على تشجيع سياسة الاعلان عن الانتهاكات بواسطة مرتكبيها و طلب العفو و الصلح. في جلسات
علنية بحضور الضحايا او اهلهم.
هناك العديد من التجارب لجلسات المصالحة و العفو و لكنا اخترنا هذا النموذج التونسي لكونه متسق مع حالة الثورة
على الدكتاتورية. و بخصوص تطبيق العدالة الانتقالية في ظروف انتهاء النزاع المسلح في دارفور و كردفان و النيل
الازرق، فمن المتوقع ان تشمل الوثائق الخاصة بالسلام آليات عديدة رسمية و غير رسمية للعدالة الانتقالية، و
بخصوص الاليات غير القضائية للعدالة الانتقالية ( العدالة التصالحية) في ظروف ما بعد النزاع المسلح، فانه من
الامثل دراسة تجربة رواندا في توظيف المحاكم الشعبية التقليدية في معالجة انتهاكات الحرب الاهلية على المستوى
المجتمعي. و بالتالي من المهم، توظيف الارث الشعبي في اقامة العدالة في المجتمعات المحلية، المتأثرة بالنزاعات
المسلحة و الانتهاكات المرتبطة بها، لا سيما الارث الغني في دارفور و جنوب كردفان، بحيث تكون ضمن آليات
العدالة الانتقالية غير الرسمية.
بهذا التنوع في اساليب تطبيق العدالة، يتسع نطاق الوصول الى العدالة، و يتسع نطاق الشعور بالرضاء العام، الامر
الذي يسهم بصورة مباشرة بالقبول و التعايش المشترك بين المكونات الاجتماعية التي شهدت عهداً طويلا من
الحروبات و الكراهية و الانتهاكات

Leave a Reply